يوسف محمد بناصر
مدونة "التــــدثـير" في نــــــقد المـــعرفة الدينية.
معلومات المدون:
الإسم : يوسف محمد بناصر
البلد : المغرب
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
مدونة فكرية تهتــم بنـقد المعرفة الدينــية والمناهج التي تعتمدها ومراجعة بعض المقولات التاريخية في الفكر الاسلامي.

في مدح الشعب…إذا أراد الحياة

الكاتب/ يوسف محمد بناصر

استمرت لحظات انتفاض الشعب التونسي في تصاعد غير مسبوق وبنفس غير متوقع إلى أن أطاحت برأس النظام المستبد بالسلطة زين العابدين بن علي، فر الرئيس هاربا تاركا كل شيء خلفه في مهب الريح، بعدما فقد السيطرة على زمام ما كان يظن ،إلى وقت قريب، أنه تحت عينه وسلطته التي لا تقهر. إنه "الشعب المنتفض"، لتصبح تلك اللحظة التي أذيع فيها الخبر تاريخية بامتياز، نعم فتونس تحركت كبقعة زيت متوهجة أوقد نارها ونورها "المرحوم البوعزيزي"، ثورة عصفت بالسنين العجاف التي أحاطت جمهورية الزيتونة بقبضة من كهنوت سياسي وبوليسي مترع بالفساد المالي، فانهارت شعارات التنمية الاجتماعية والاقتصادية مع صرخات الجسد المحترق، لقد وصلت درجة اختناق الحرية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية في ظل النظام التونسي حتى صار مضرب الأمثال وسنة للاقتداء العربي، لقد اختنقت أنفاس الشباب الذين خرجوا يرددون "لاءات" كثيرة ولكنها عميقة، لا للاستعباد، لا للقمع ، لا تكميم الأفواه، ولا للنهب والاختلاس، نعم للحريات نعم للتعددية، بكل عفوية انتفضوا على ثقافة الانبطاح والاستبداد والخوف، لقد احترقت شرعية النظام التونسي في رمشة عين كما ستحترق غيرها من الأنظمة، صارت لحظة الثورة ناضجة بعد طول انتظار، وحان موسم عربي جديد، انطلق من بلاد الزيتونة، تجتث فيه أشجار علقمية المذاق ثمارها قهر واستبداد لتنفى بعيدا وتستبدل بأشجار تثمر في موسم ربيعي نظام الحريات والتعددية والكرامة ودولة الالتزام بالقانون والحقوق والمساواة.
اعتمد النظام التونسي البائد على تسويق صورة مزيفة عن نفسه وعن نموذجه القوي، القادر على التحكم والرقابة، فقد خرب الأحزاب - يسارية كانت أو إسلامية- وجعلها غير قادرة على الحركة والعمل السياسي، وحاصر حراك المجتمع المدني، واعتمد بسط السيطرة بشكل شمولي على كل القطاعات الحيوية، اقتصادية ومالية وإعلامية وسياسية، دجن بعض المثقفين، كما صنع نخبا أخرى لتدور في فلكه وتلمع نموذجه المتقدم زورا، وعذب  وسجن المعارضين أو طرد أغلبهم خارج البلاد، ثم خلق اقتصاد الريع ليستفيد أزلامه ليكونوا حماة النظام أو ليتحكم في بقايا المحرومين من الذين قد يحقدون على الوضع أو ينفلتون في لحظة غضب، فيخربون وينهبون ويقتلون ببشاعة كما قد يحصل عند سقوط أي مستبد.
عندما أحكم النظام التونسي الخناق على ميادين التنفيس الشعبي وعلى المنظمات والأحزاب والهيئات ونمطها لصالحه، فقد في ذات الوقت السيطرة على الحراك الطبقي والاجتماعي، لتتوسع الطبقة الوسطى المثقفة، كما ترسخ الوعي السياسي فيها مع ارتفاع نسبة التمدرس وتوسع خريجي التعليم العالي، ليكون هذا التحول البنيوي الدقيق هو النقطة التي ستفيض الكأس، لأنها ساهمت في تسريع خطى انهيار النموذج البوليسي المترهل، فانتفض الشعب في لحظة حاسمة تحدوه الحماسة لصنع نموذج ديمقراطي صاعد، يتناسق مع طموحاته ويستجيب لحاجاته الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية.
إن الشعب التونسي اليوم بانتفاضته الشعبية الشبابية يعد مثالا صادما للمجتمعات التي تعيش في نفس الوضعية لزمن ممتد، لذلك فأمواج الانتفاض ستكون متلاحقة شيئا فشيئا لتعم غالبية الأنظمة الشمولية، التي رزحت بتخلفها الفكري والسياسي على الشعوب، وكل المؤشرات تشير إلى النظام المصري المتهالك الذي أمسى هو التالي في قائمة الأنظمة العربية التي سيخضعها موج "تسونامي التفكيك الشعبي" لقانونه.
 والإشكالية المطروحة الآن أن الشعوب ستتحرك بدون قيادات ملتزمة بمشروع إصلاحي أو أيديولوجي يحفظ القيم التي انتفض الناس من أجلها في برنامج عملي، ليصبح حراكهم عفويا تعبيريا وفي غالب الأحيان فوضويا، غير مؤطر بمنهجية سياسية واعية وفاعلة، وهذا ما سيتجلى في الانتفاضة المصرية إذا لم يتدارك الأمر في وقته، إنها حماسة الخروج من التيه السياسي العربي، حماسة اكتشاف الذات خارج سلطة القمع وخارج النظام المستبد، لقد تولدت لديهم الرغبة في التحدي، ولو تعلق الأمر باكتساح جحافلهم لشرطة القمع بصدر عار أو الوقوف بتحد أمام طلقات الرصاص، تلك الرغبة والتحدي لم تكن لتظهر لولا الإشباع الذي وصلته النفوس والضمائر من كرهها لثقافة الاستبداد والترهيب التي لا ينتهي لهيبها، فطربت النفوس بقوة لجاذبية التحرر وإرادة التخلص من الضيق الاقتصادي، فحان لزوما الوقت للانتفاض من أجل أن تؤسس ثقافة جديدة مبنية على هذه الحاجات، ولا منة لأحد من "الأحزاب السياسوية" المتخمة بالشعارات الجوفاء والموضوعة تحت تصرف قيادات  الفكر القروسطوية أو التاريخ العجائبي، لا منة لأحد من هؤلاء ولا من أولئك على الشعبين التونسي ولا المصري إلى الآن، ولا منة لزعيم سياسي عليهم قد يتسمى مستقبلا بقائدهم الملهم أو الثوري، ولا منة لبرنامج أيديولوجي أو حركة ثورية أو تنظيم سري عليهم..، هم أنفسهم يمنون ويمتنون شبابا وشيبا، نساء ورجالا، على أن انتفاضتهم عملية سلمية شعبية لاعنفية شهد لها العالم ولا يزال، فهم أقاموها بعرق جبينهم وبأيديهم وبدمائهم وبعفويتهم السياسية، وقد جوبهت برصاص أنظمتهم المتمرس للقمع، لكن كانت إرادتهم أقوى وصدورهم أمتن وصفوفهم متراصة، فالعنف لا يولد إلا العنف والكراهية والانتقام، ولا أحد من مصلحته أن تتأجج مشاعر الانتقام، لأنها ستحرق في طريقها الأخضر واليابس، والشعب الذي يتبنى الفعل السلمي بشكل عفوي ذكي سياسيا وثقافيا، لأنه يرفض الوقوع في هفوة العنف والصراع المسلح أو على الأقل يؤجله كخيار صلب بعيد يمكن اللجوء إليه كآخر حل عند سقوط الحلول المرنة، وهو ما قد لا تفطن له بقية الشعوب وحتى الأنظمة التي تطمح لاستنساخ هذه التجربة أو تلك هنا أو هناك، فالظروف المختلفة والوضع الجيوسياسي والثقافي والإثني والديني كلها تحكم استعمال العنف عند الإنسان، وبطبيعة الحال فالعنف هو شيطان قابع في الجنس الإنساني يتقنه منذ حادثة ذبح هابيل مرورا بثقافة الحروب والانتصارات الدموية التاريخية التي كرست منطق الإلغاء والسيطرة، أفعال مستهترة بالأنفس والعقول كتبت على أنها بطولات وفضائل، لتمتد إلى الحاضر تخرس مواقف السلم وتربك مجتمعات التعايش لتجعلها محبة للدماء ومتعطشة للفوضى والانقسام، وأبرز مثال على ذلك العراق والسودان، والله أعلم من في القائمة أيضا.
إن تجربة الشعب المصري اليوم في انتفاضته لا تختلف كثيرا عن الانتفاضات التي ستقع في بلدان عربية كثيرة خصوصا ذات الأنظمة الجمهورية، فهذه الأخيرة، لم تعد لها أي شرعية تاريخية أو سياسية أو أخلاقية، خصوصا بعدما طالت سنوات حكم المستبدين بها فتأكد أنها ولدت ميتة بلا معنى، حتى ولو كانت أسماؤها تقدمية تنهل من ثقافة التنوير السياسي الأوربي زورا، فكثير من الأوصاف السلبية مشتركة بينها والتي منها انفراد الحزب الواحد بالمواقع والسلطات والقمع البوليسي للشعب والإبقاء على حالة الطوارئ التي لا تنتهي، وانفراد القائد بكرسي الرئاسة، وإصدار دستور مقدس يصب في مصلحة توالي سنوات حكم الحاكم المستبد أو لنقل ملكية الجمهورية والقصر الرئاسي لابن الحاكم أو زوجته بعد عمر برزخي.
سئمت الشعوب نفسها وسفهت أحلامها تحت  حكام الجور والاستبداد، الذين انفرد العالم العربي لوحده بهم دون سائر البلدان، التي سارعت للتخلص مما علق بها من أيديولوجية الأنظمة الشمولية البائدة، والتي انهارت منذ أزيد من عقدين وبالأحرى توالى انهيارها منذ واقعة سقوط جدار برلين التاريخية، واليوم لم يعد من السهل إقناع الشعوب العربية بالعودة للخلف، فخطابات التبشير ولى زمانها، كما أن ترقيع ما بقي من الحياة السياسية والاقتصادية مرفوض تماما، و"منح" دساتير وحريات وحقوق صورية أو إطلاق إصلاحات مجتزأة وغير واضحة غير مقبول، لأن كل هذه الشعوب الآن امتزجت عندها مشاعر الإصرار على التغيير الجذري بمشاعر الوجود في الحياة، كأنها اللحظة فقط اكتشفت جمال الطريق السوي نحو عالم الديمقراطية ومتعة العيش في النور بعيدا عن الظل والظلام.

‎©منبر الحرية،9 فبراير/شباط 2011

 

http://www.minbaralhurriyya.org/content/view/1209/703

(0) تعليقات

قصيدة ذلك السحر في السماء

ذلك السحر في السماء

[ قصيدة مهداة مسبقا لذكرى النسيان]

توقيع: يوسف بناصر

اكادير:24-12-2010

ساعة:02صباحا15

 

عادت زائرة خفية قلبي  بالليل

وياليتها ماعادت ولا عاتبت

مالت بالصبابة علي

 وهتكت صمتي بالآهات

استحال الحنين أنينا

لا البحار أنصتت للزوماتي

ولا الشطآن ساترة أترع الاعين

                                        

[برح الخفاء وصرح الوجد]

وبدت نوائب الدهر كهرمجد

بانت ذكرى الأيام كنرد

مقبلة بالفراق والصد

سرت زائرتي بلجة الذكرى

طاعنة، محرقة  فؤادي

عمرت شهورا وازهرت

حتى بسقت أغصانها وأثمرت

تواعدنا الربيع ثم أخلفت

أذاها مني الوصب

فكان منها  الخلب

ما زاغ الفؤاد مني وماطغى

لأنحتن الاسم على ماطوى

والشعر والأماكن والأسماء

ورسومات التفاصيل الأخرى

وكل ذلك السحر في السماء

فلم يعد لي أرض عندك

فه[اااالويا هااالوياا] لك

وحياك الله سعدى

قلبي ينبض بالدعاء

لك مني كل الهناء

بنينا وبنات نجباء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(0) تعليقات

لقاء المدونين المغاربة مع السيد كيث السون Keith Ellison

لقاء المدونين المغاربة مع السيد كيث السون

أول نائب أمريكي مسلم بالكونغرس الأمريكي

 

تقرير : يوسف محمد بناصر ـ مدون وباحث

 الرباط

 

في زيارته للمغرب استقبل بإقامة السفير الأمريكي بالرباط يوم الخميس11 نونبر 2010

السيد كيث السون؛ Keith  Ellison [عضو الكونغرس الأمريكي عن الحزب الديمقراطي من ولاية مينيسوتا،  وهو أول نائب أمريكي مسلم] أربعة مدونين يمثلون جمعية المدونين المغاربة ، وهم كالتالي: يوسف بناصر، عبد الصمد المساتي مصطفى الكمري، محمد ملوك. 

كان اللقاء مناسبة لمناقشة العديد من المواضيع التي تحظى بالاهتمام المشترك سواء من طرف المدونين أو الرأي العام في العالم العربي / الإسلامي وصانع القرار الأمريكي، خصوصا أن الولايات المتحدة الأمريكية تلعب دورا رئيسيا في السياسة الدولية، بحضورها القوي في مناطق  التوتر العربية أو الإسلامية ثم لوجود مصالح مشتركة بين العالم العربي الإسلامي و و.م.أ ، سواء كانت هذه المصالح اقتصادية أو ثقافية أو جيوـ استراتيجية، افتتح النقاش بالتطرق إلى المعضلة العراقية وما يقع بهذا البلد من انتهاكات للحقوق الانسانية  وماهية التصور الأمريكي للوضع، خصوصا تصور الحزب الديمقراطي الذي يمثله السيد كيث السون، هذا الأخير عبر عن خيبة أمله؛ بأن سمى واقع العنف الذي يقع في العراق بالتراجيديا العراقية، خصوصا بعد تزايد سقوط الضحايا من الطرفين العراقي أو الأمريكي، ولكنه في نفس الوقت ذاته عبر عن طموح و.أ,م في إعمار العراق؛ وعلى حسب تعبيره هي مسؤولية تأخذها على عاتقها، لذلك فمجهوداتها في الإعمار  حثيثة رغم وجود مشاكل تتخللها، وفي هذا الصدد ذكر ببرنامج الرئيس اوباما المتعلق بسياسته الخارجية، بعد التزامه بوعوده الانتخابية بالخروج من العراق وسحب القوات الأمريكية، ولكن السيد ولسون لم يتحدث  بتفصيل عن تأثير وثائق موقع الويكيليكس  على مستقبل العلاقات الأمريكية العراقية بل اكتفى بالتفاؤل بالمستقبل العراقي وبالجو الديمقراطي الذي بدا يسود هنالك.

وقد تطرق المدونون  المغاربة للقضية الأفغانية مع السيد السون الذي أكد على التزام الولايات المتحدة الأمريكية بسحب قواتها من الأراضي الأفغانية بنهاية السنة المقبلة 2011 م، كما تم طرح القضية السودانية حيث أكد على أن مسألة الاستفتاء قضية حيوية وان استقلال أو بقاء الجنوب السوداني أمر يخص رغبة  ومصير أهل الجنوب السوداني، وقد عبر المدونون المغاربة عن تصورهم للصراع في السودان بان التقسيم لا يخدم أي دولة في هذا العصر سواء دولة  النزاع أو حتى الدول المجاورة لها، فلا يتصور أن تمارس و.م.أ  ضغوطها من أجل توجيه الاستفتاء  من اجل وقوع التقسيم بالرغم أن ذلك لا ينسجم مع عصر التكتلات والاتحادات وأيضا المصالح العربية الأمريكية .

 أما فيما يخص القضية الفلسطينية فقد تحدث السيد السون عنها باعتبارها مشكلة لها تاريخ وتعقيدات وامتدادات، ولكن هذا لا يمنع من أن تتحمل جميع الأطراف المعنية بالصراع مسؤوليتها لتحفيز الطرفين للوصول  إلى حل للنزاع، وقد عبر عن وجود رغبة لدى و.م.أ  في بذل المزيد من المجهودات من أجل مساعدة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للوصول للحل السلمي الذي يخدم مصلحة الطرفين، كما وجه دعوة إلى منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية وأيضا إلى المغرب للتدخل من اجل الوصول إلى حل مشترك يخدم السلام،  بإقامة دولة فلسطينية مستقلة مع ضمان أمن وسلامة الدولة الإسرائيلية.

في الأخير، فتح المدونون المغاربة نقاشا عميقا حول قضية الصحراء المغربية مع السيد السون كيث، حيث عبر عن قلة المعطيات المتوفرة لديه فيما يخص هذا المشكل، [ وقد وعد المدونون السيد ولسون بإعداد ملف متكامل  يخص تاريخ الصراع وحيثياته والتصور المغربي للحل عن طريق منح مقترح الحكم الذاتي وإرساله إليه لاحقا]، وقد عبر عن ملاحظته لمدى حيوية النقاش المغربي في هذا الموضوع منذ وصوله إلى المغرب، كما لاحظ رغبة المسؤولين المغاربة  في إيجاد حل للمشكل بطريقة سياسية سلمية لا غالب ولا مغلوب فيها، ولخص المدونون للسيد السون تاريخ الصراع وتعقيداته كما اشاروا للوحدة التي تمتع بها المغرب والمغاربة؛ منذ أزيد من 12 قرنا نظام سياسي ملكي يوحد الأمة المغربية تحت علم واحد، كما ذكر المدونون النائب الأمريكي بالاعتراف التاريخي المغربي بالولايات المتحدة الأمريكية كدولة مستقلة وموحدة منذ الإعلان الاول لإستقلالها، وأشاد السيد السون في ختام حديثه بالعلاقات الأمريكية المغربية وعبر عن رغبة البلدين في تطوير هذه العلاقة بما يخدم مصالح الشعبين والبلدين ، كما ذكر  أن من بين مظاهر تلك الصداقة هو المنحة الأمريكية للمغرب من أجل تحقيق تنمية مستدامة وإنزال البرامج الإنمائية وفق الجدول الزمني المحدد لذلك.

 وقد عبر السيد كيث السون في أخير اللقاء عن مدى إعجابه بجدية وعمق النقاش الذي دار بينه وبين المدونين، كما عبر عن رغبته بالتواصل  المستمر معهم ودعاهم لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية.

وانتهى اللقاء بالتقاط صور تذكارية بين الطرفين وبتبادل عبارات التقدير والاحترام .

 

 

(0) تعليقات

قناة الوطن الكويتية تسخر من المغاربة

سخرية المسميات واحراج الانتماء
أو

عندما يجعلك الآخرون  تسخر مـن نفسـك بنفسك

بقلم: يوسف محمد بناصر

باحث - الرباط

 

يبدو أن الصور التي ترسم عن المغرب في المهجر ومن طرف ضيوفه وزواره جعلت "هيبته" في وضع لا يحسد عليه؛ خصوصا أن المسألة متعلقة بالشرف، فأفلام  جنسية تصور على أرضه، واغتصاب لطفولة بريئة في منتجعات أو بيوت ضيافة...، واستغلال الفقر والأمية في التبشير بين أفراد الشعب، وربما هجرة جماعية لفلذات أكباده، بعض إناثه للدعارة وبعض ذكوره للعمل في ضيعات فلاحية وغيرها في ظروف لا إنسانية، سواء على قوارب الموت أو بعقود ابتزازية، ومعطلون في أهم شارع من شوارع العاصمة الرباط تدق ضلوعهم، وهنالك أشياء أخرى من مثل قنوات عربية وخليجية تسخر من ثقافة المغاربة؛ معتبرة نساءه مشعوذات و"بائعات هوى" ورجاله مصابين بـ"مرض الديوثية"، ودول تمنع منح تأشيرة دخول للمغربيات بسبب جنسيتهن، كل ذلك وسياسيونا في مؤسساتهم نائمون مستهترون بعقول الناس غير آبهين بما يحصل حولهم..، لا أريد أن أُكثِر من "سلخ" انتمائي للوطن بفضح القيم التي يتبناها نموذج المواطن المسئول، ولا أن أنقض قيم الانتماء للوطن، ولا أريد أن أبدو أكثر مثالية -على غير العادة-  بما قد أظهره من أحلام أو مقولات نبيلة، قد تعبر عما يجب أن يكون عليه "مسمى الوطن"، دون أن أنسى بطبيعة الحال انتمائي الواقعي له؛ بكل ما يحمله مفهوم الانتماء من ثقافة ايجابية أو سلبية، ولا أريد أن أبدو في الأخير، أني أفعل ذلك كله للتنفيس عن غضبتي من شريط تافه وفقط.

 إن ما استفزني حقيقة لأنحت هذه الأحرف في "مقالة بائسة" كهذه؛ أني تذكرت مقالة لصحفي مغربي كان في جولة بالأردن؛ حكى عن نفسه أن مدير مرقص سأله عن بلده فاضطر محرجا لتبني "جنسية افتراضية" غير جنسيته الحقيقية، وكان السبب أنه شاهد بأم عينيه راقصات وبائعات هوى من بلاده وهن ينشطن في المكان، وثاني شيء أني وجدت على صفحتي الشخصية في موقع "الفايسبوك"؛ تعليقات على الشريط الكويتي الهازئ ببعض قيم المغاربة "السيئة"، فقد علق بعض أصدقائي المغاربة تعليقات تعبر عن اعجابهم بالشريط، كأن حالة " مازوشية بالغة اليأس" اعترتهم، حتى خيل إلي أن الصورة الكاريكاتورية التي بثتها قناة "الوطن" الكويتية عن مجتمعنا تبدو مشوهة وذات بعد واحد، بالمقارنة مع رسومات المغاربة عن أنفسهم التي بدت واضحة وذات أبعاد ثلاثة "تروا ديمونسيون"، فتعليقاتهم كانت بديعة وأقرب للحقيقة رغم كونها ساخرة، فقد شكلوا صورة  كاريكاتورية عـن أنفسهم وعن مجتمعهم بتعليقاتهم تلك بشكل مباشر بلا وسائط خليجية، متجاوزين "سخرية" الشريط الكويتي بأميال ضوئية، لأكتشف معهم أن رُب سخرية عرت عن النفس وعن الآخر من جدية حاجبة عنهما، وبتعبير أدق ان الإنسان قد يكون أكثر وضوحا وصراحة مع نفسه والآخرين وهو في حالة السخرية من نفسه بنفسه، فما وقع فيه أصدقائي الظرفاء في تعليقاتهم "الفايسبوكية"، لا يمكن إلا أن يكون لحظة وضوح متبرجة بسخرية.

 كم من قائل أن الاستعمار كان ضرورة تاريخية لتحفيز روح الوطنية وتسريع الحركة التحديثية وتفكيك القيم التقليدية وغيرها، واليوم الكثيرون ممن علقوا على شريط أنتجته قناة "الوطن" الكويتية -وليس الكويت- اعتبروه إهانة و"حكرة" توقظ فيهم روح الافتخار بجنسيتهم وتنبههم للإعتزاز بتاريخ وطنهم "المغرب الأقصى"، لينال الشريط وضع "غير العادي" في طبيعته ولحظته، وليحفز بعض الكتاب والمثقفين والفنانين و"الوطنيين" المغاربة للدعوة لرد الاعتبار لمفهوم "المواطن المغربي" الذي تهان كرامته في كل مناسبة، سواء كان في داخل الحدود أو على أبوابها، لأنه بكل بساطة ينتمي لبقعة أرضية اسمها "بلاد المغرب الأقصى"، بحسب التوصيف التاريخي، ومما قد لا يعلمه هؤلاء الكتاب– وأنا منهم ربما- كون  تلك الدعوة كانت ثملة بالسخرية أيضا، لأن حدثا كهذا قد زعزع الثقة في قيمنا الأخلاقية الثابتة، وأحرجنا لدرجة جعلناه موضوع جدل نتطارحه على موائد الإفطار كما كان للبعض الآخر مصدر تمويه عن جنسيتهم.

 وفي الأخير؛ أخط أني لست بصدد زعزعة تعريف لمفاهيم فلسفية فضفاضة؛ كتعويض مفهوم "كرامة الإنسان" بمفهوم:"هيبة الدولة"، أو بصدد تأخير وتقديم لأولويات على أخرى، كأولوية المواطنة على مسمى الوطن؛ بقدر ما أحاول التعبير بدوري عن وطنيتي بشكل مختلف، ربما مخففا عن نفسي سخرية المسميات وإحراج الانتماء.

 

(0) تعليقات

صلاة الانبياء

                            صلاة الانبياء
                                                          يوسف محمد بناصر
إني أنشد في صلاتي،

للذين ينقشون جداريات،

وهم يبتسمون خلف القضبان،

للذين يقبّلون كسرة الخبز،

ويضعونها في بقعة طاهرة،

لأنهم يتذكرون، بؤس وجه المجاعة،

للذين يذرفون الدموع في الأعراس،

وهم يطاردون مر الذكريات،

للذين ينتظرون الغروب بأناة،

وهم ثمالى بالأتربة،

بالكدح المالح،

للذين لا يزالون يصفقون للسيدة:"معصوبة العينين"،

وهم مشدوهون بما نطقت به،

 مصدقين وغير مصدقين،

أقول لهولاء جميعا،

إني معكم أقف في خشوع،

في كل صلاة ودعاء.

البيضاء في:04 مايو 2009

 

(0) تعليقات

في العودة إلى الغربة

في العودة إلى الغربة

 

 

 

يوسف محمد بناصر

أيها الساكنون في دروبي

المتخفون في زي الأقدار

أشعر معكم بغربة العنوان

فأفسحوا لروحي الآن

لتطهر من أتربة المكان

وأزلام الحب…

أو تغيب بعيدا

مع الشفق الأحمر

في سماء الذكرى

تنتحل النسك وتتجمل بالأحزان

فالأطلال هنا نار ونور

وتلك الشوارع والأزقة همهمات

وذلك المطعم في غرب المدينة

مصيدة شاعر

تتزين بالذكرى والصمت

وتترصد مروري أغلب اللحظات

.

.

.

 فآه آه لك يا قلب

قد كنت تترصع الكلمات

تهب الألقاب في صمت

تبارك النظرات

واليوم أنت سجين الحنين..

سلا:16\11\2009م.

 

(0) تعليقات

في تاريخ المعرفة والعقل الإسلاميين:2/4

لحظات حرجة

في تاريخ  المعرفة والعقل الإسلاميين:2/4

 

لا يكاد ينكر أحد، ما للامتداد التاريخي السلفي وبعض معتقداتهم على مستقبل الأمة، وبخاصة تاريخ التأخر والتدهور، بحكم أنه هو الأقرب لحاضرنا ومنه نستمد أيضا، فأغلب أفكار تلك المرحلة  التاريخية ترمي بظلالها على مكتسباتنا المعرفية وكثيرا ما تحدد تصورتنا للقضايا التي نشتغل وننشغل بها اليوم، فلا يكاد تناولنا لها يتجدد، فهو تناول ممسوخ ومنسوخ ومتكرر لتلك الفترات الماضية، ولا يكاد منهجنا العقلي يتحول عن المنهج الماضوي:"العقل السلفي"-بكل تجلياته- في تعاطيه مع المعرفة والإبداع والتحديث، وفي اتخاذ القرارات وإبداء الآراء، بله عودتنا إليه لتثوير قيمنا الأخلاقية والجمالية والمعرفية وحتى الفقيهة...

 إن الحديث عن مكتسابتنا المعرفية والمنهجية التاريخية بالنقد، وتواصلنا مع تراثنا وسلفنا بذرائعية ونفعية؛ لا يعني بالضرورة الإنكار عليهم ولا محاكمتهم ولا منع الخطأ عنهم ولا وصفهم بصفة العصمة، كما أن الوقوف على عورات معرفية وعلى إختلالات بعض مناهجهم لا ينقص من قيمتهم ورمزيتهم التاريخية...، بل إن ممارساتنا النقدية على تلك الفترات وعلى بعض شخوصها؛ إنما يأتي في سياق التطلع إلى مواصلة النقد البناء الذي يفصل بين الغث والسمين، وبين الذي يذهب جفاء والذي يمكث في الأرض، فمنهجية القرآن تفرض في تناولها للذي يصلح والذي لا يصلح تلك الممارسة، ثم إن الإصلاح والتجديد لن يتأتى بالانتظار لتتصفى كل تلك المعارف والعلوم لوحدها ويتحدد النافع من الضار، لكن يكون ذلك بحراكنا الفكري وتمييزنا  النظري النقدي وبقدرتنا على إحداث انفصال وقطيعة مع الأشياء والأفكار  التي تجر إلى الخلف، ثم بعد ذلك إحداث اتصال وتصالح واع مع الذي كان نتاج منهج متكامل يقف على بنية رصينة من الحجج؛ التي تجعله يستحق أن يبنى عليه من جديد للانطلاق نحو المستقبل، دون أن ننسى أننا نتصالح مع أصالتنا المعرفية وتاريخنا الثقافي، وهذا ما تؤكده بعض مقالات المتقدمين من علماء الأمة، لوعيهم بضرورة أن يوجد العقل النقدي ليخلق تصالحا مع المعارف القديمة، بدون أن يكون هنالك استلاب بأحكام السلف المتقدمين.

 فـ"المقري" مثلا في كتاب:"نـفح الطيب" خلص إلى ما قد يحدث للعقل من انغلاق وجمود أو فصل للعلوم بعضها عن بعض من فتنة وتخلف قائلا:"كلما قيل  فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم أطلقت عليه العامة اسم زنديق، وقيدت عليه أنفاسه ويقتله السلطان، تقربا لقلوب العامة، وكثيرا ما يأمرهم ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وجدت..."طلقت عليه العامة ييي

،ولم يقتصر ذلك على الفلسفة لوحدها، إنما كان من حض العلوم الحكمية وعلم المنطق باعتباره مدخلا للفلسفة، فمدخل الشر شر، فابن طلموس وصف الحالة المزرية التي  صارت إليها الفلسفة قائلا:"فاني رايتها مرفوضة عندهم، مطروحة لديهم، لا يحفل بها ولا يلتفت إليها، وزيادة على ذلك، فإن أهل زماننا ينفرون منها، ويرمون العالم بها بالزندقة وقد اشترك في هذا الأمر دهماؤهم وعلماؤهم".

        ولا املك في النهاية  إلا أن أنوه بالمجهود الذي قدمه الأستاذ ناصر الحزيمي في كتابه  حرق الكتب في تاريخ التراث العربي الصادر عن منشورات الجمل، حيث تتبع بعض القضايا التي تهم الكتاب ووضعية العلم والعلماء في مختلف القرون الإسلامية، فقام بجرد أهم الأحداث وسرد أخبار أغلب العلماء الذين وقعوا ضحية حرية التعبير أو مقالاتهم المخالفة للنسق.

 

(0) تعليقات

تاريخ المعرفة والعقل الإسلاميين:1/4

لحظات حرجة
في تاريخ  المعرفة والعقل الإسلاميين:1/4

بقلم: يوسف محمد بناصر

باحث في الحوار الديني والحضاري

جامعة السلطان مولاي سليمان

بني ملال- المغرب

 B.Yosuf@gmail.com      الإميل:    

 

لقد ورثت الثقافة الإسلامية عن الثقافة العربية الجاهلية المنهج الشفاهي في أخذ المعارف، وعلق في أذهان الصحابة بعد ذلك أن العلم والمعرفة تنال بالحفظ كما حفظت المعلقات السبع وأساطير العرب وتاريخ الحروب، وكذلك كان الأمر مع كل ما أنتجه وجمعه العقل المسلم -خصوصا الصدر الأول- من علوم فقهية وحديثية على وجه الخصوص، وجاء منع النبي عليه واله الصلاة والسلام عن كتابة الرواية الحديثية؛"من كتب عني شيئا فليمحه" ليدعم استمرارية الثقافة الشفهية فصدقوا والتزموا -كما التزمت الأمة من بعدهم ردحا من الزمن- بقوله:" إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحتسب"، فاستند العامة والخاصة على تلك الرواية للمنع، ثم جاء سلوك وعمل بعض الصحابة ليزكي بشكل أعمق  تلك الأحاديث ليحولها المجتمع المسلم إلى ثقافة يومية ممارسة ومشرعنة تمتد زمانا، فكان ابن عباس رضي الله عنه يقول:" إنا لا نكتب العلم ولا نكتبه" وقوله:"إنما ضل من كان قبلكم بالكتب"، وكتب عمر بن الخطاب إلى الأمصار آمرا:"من كان عنده شيء فليمحه"،حتى أن ابن أبي موسى الأشعري قال:"كتبت عن أبي كتابا كبيرا فقال: ائتني بكتبك فأتيته بها فغسلها" وكثيرا ما كان يقول لمن يأخذ عنه:"العلم احفظوا عنا كما حفظنا"، وقيل شعرا في فضل الحفظ مالم يقل عن القراطيس وحفظها للعلم؛ قال الشاعر:

                    استودع العلم قرطاسا فضيعته

                                          و بئس مستودع العلم القراطيس

إن الدارس لتاريخ الكتب في الثقافة والحضارة الإسلاميتين ليأخذه العجب مما قد يجد من اغتيالات وإعدامات ومصادرات للكتاب من طرف رجال السلطة أو العلم أنفسهم؛ وفي فترات متباعدة من التاريخ، مما هو راجع بالأساس إلى عدم تحول الوعي الإسلامي ليقبل بما جاء القران ليؤسس له من ثقافة حفظ الكتاب، ثم بالأساس تمجيد ثقافة اقرأ والقلم والمداد وثقافة:"فليكتب كاتب"..هذا في المقام الأول،أما ثانيا؛  فنجد أن هنالك أسباب متعددة أخرى واهية لتلك الحروب على الكتاب المدون، فبين التي دعت إليها الحمية السياسية والصراعات المذهبية والعقدية، وبين التي حدثت بسبب أزمة نفسية أو اجتماعية أو قبلية لشخص المدون...، فمثلا في سنة [311هـ]؛ حكى "ابن الجوزي" في حوادثها قائلا:"وفي نصف رمضان أحرق على باب العامة صورة ماني وأربعة أعدال[=حمل أربعة جمال]من كتب الزنادقة فسقط منها ذهب وفضة مما كان على المصاحف له قدر". ونقل"المقري" عن "المطمح"  أن كتب "ابن مسرة" وهو العابد الزاهد، قد تتبعت بالحرق واتسع في استباحتها الخرق وغدت مهجورة على التالين محجورة..."، ونقل أيضا في كتابه:"نفح الطيب" أن أبا محمد ابن حزم قال عندما أحرق المعتضد بن عباد كتبه باشبيلية شعرا:

"دعوني من إحراق رق وكاغد

                              وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري

        فان تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي

                                    تضمنه القرطاس، بل هو في صدري

                    يسير معي حيث استقلت ركائبي

                                             وينزل إن انزل ويدفن في قبري" .

ويتحدث "الصفدي" في ترجمة الحاجب الملك المنصور الأندلسي أنه في سنة[366هـ] عمد أول تغلبه إلى خزائن "المستنصر" فابرز ما فيها من صنوف التواليف بمحضر خواصه العلماء وأمر بإفراد ما فيها من كتب الأوائل حاشى كتب الطب والحساب وأمر بإحراقها وطم بعضها وكانت كثيرة جدا فعل ذلك تحببا إلى العوام وتقبيحا لرأي المستنصر.."، وفي أحداث سنة[537 هـ]، حكى أبو محمد بن اسعد اليافعي قائلا:"وفيها توفي صاحب المغرب علي بن يوسف بن تاشفين...وهو الذي أمر بإحراق كتب الإمام حجة الاسلام أبي حامد الغزالي"،وروى"النويري" في ترجمة أبي يوسف يعقوب بن يوسف أمير الموحدين أنه أمر في سنة[583هـ] بإحراق كتب المذاهب بعد أن تجرد من الحديث والقرآن، فحرق كتاب المدونة وكتاب ابن يونس ونوادر ابن أبي زيد ومختصره، والتهذيب للبرادعي والواضحة..، وقصد من عمله ذاك أن يمحو مذهب مالك من بلاد المغرب، ويحمل الناس على الظاهر من الكتاب والسنة"، ويذكر زين الدين عمر بن المظفر بن الوردي في كتابه تتمة المختصر من أخبار البشر انه في سنة [744هـ]:" فيها مزقنا كتاب فصوص الحكم[لابن عربي] بالمدرسة العصرونية بحلب،عقب الدرس وغسلناه، وهو من تصانيف ابن عربي تنبيها على تحريم قنيته ومطالعته..".

كما تحدث المؤرخون عن بعض المشايخ الذين كتبوا وألفوا الكتب الكثيرة وفي مختلف الفنون فلما ضاقت بهم ضائقة قاموا بإحراقها أو دفنها، ومنهم من قام بغسلها ومحوها وتخريقها بأنفسهم أو بأمر منهم، فالإمام سعيد بن جبير 95هـ]روى "الدينوري" القاضي المالكي في كتاب المجالسة": قال:"أن امراة سعدية قالت: سمعت سعيد بن جبير حين جيء به الى الحجاج دعا رجلا،فقال:"اذهب فاحرق كتبي"، والثوري فيما حكاه الحارثي عنه قائلا:"دفن سفيان كتبه فكنت أعينه عليها فدفن منها كذا وكذا قمطرة[=ما تصان فيه الكتب]، إلى صدري فقلت:يا أبا عبد الله:"وفي الركاز الخمس"فقال:خذ ما شئت.فعزلت منها شيئا.كان يحدثني منه"، وشيخ المحدثين شعبة بن الحجاج حكى عنه ابنه قائلا:"أوصى أبي:إذا مات أن أغسل كتبه فغسلتها"،وأبو عمرو الكرخي الذي روى الحديث عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وغيرهم من الصحابة، فقد محا كتبه عند موته، وعندما سئل قال:"أخشى أن يليها قوم يضعونها غير موضعها"،كما حكى هشام بن عروة أن أباه عروة بن الزبير قد حرق كتبا فيها فقه ثم قال:"وددت لو أني فديتها بأهلي ومالي"، وكتب أبو حيان التوحيدي -في سنة 400 هجرية عندما حرق كتبه- إلى القاضي أبو سهل علي بن محمد الذي يعذله على صنيعه، فرد معتذرا إليه قائلا:"وافاني كتابك غير محتسب ولا متوقع...بعد ذكر الشوق إلي، والصبابة نحو ما نال قلبك والتهب صدرك من الخبر الذي نمى إليك فيما كان مني من إحراق كتبي وغسلها بالماء..."، حتى أن أبا حيان قد استشهد بحسن صنيعه في كتبه بما فعله علماء متقدمون عليه مع كتبتهم واعتبرهم أسوة له في فعلته،فقال:"وبعد، فلي في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدى بهم ويوخذ بهديهم ويعشى إلى نارهم، منهم:أبو عمرو العلاء، وداود الطائي، ويوسف بن أسباط، وأبو سليمان الدراني، وسفيان الثوري، وأبو سعيد السيرفي...".

فكأن حرق وخرق الكتب أصبح ثقافة شعبية وطقسا روحيا يمارسه الجهابذة من العلماء -فما بال العامة والجهلاء من الناس في الفتن والحروب وضيق ذات اليد- إما اكرما للكتاب من الوقوع في يد من لا يحفظه ولا يعرف قيمته، أو حزنا على ما آلت إليه أمور العلم وحياة الكاتب، أو توبة مما كتبه ورجوعا عما ذهب إليه في بداية حياته...، وإضافة لما سبق أعتقد أن ما حصل في تاريخ الكتاب الإسلامي كان نتيجة استحكام ثقافة الشفهي على ثقافة المكتوب المدون، فلم ينزل الكتاب منزلته التي يستحقها ولم يعط قيمته، واليوم ماتزال تلك الثقافة متجدرة وممتدة في حياة الأمة؛ فمن النادر أن تجد مكتبة لكل بيت أو قارئا نشيطا ومقتنيا للكتاب، بالرغم من مجهودات الدول والمدارس والجامعات لتكريس  ثقافة القراءة والمطالعة، حتى حظيت الدول والشعوب الإسلامية بأدنى الرتب في المقروء والمكتوب والمترجم.   

(0) تعليقات