جـدارات الوعي في السياق المعرفي الإسلامـي يوسف محمد بناصر b.yosuf@hotmail.com
الـمعنى الذاتي للنص و المعنى المحتمل للقارئ
باحث مغربي
مكانة المفسر في ظل محيطه:
المفسر هو إنسان يختزن في بنية وعيه ثقلا ثقافيا،وتجتمع في شخصيته ترسبات إجتماعية و سياسية،ويراكم عددا من المعارف الإسلامية و الإنسانية،وهو رمز محترم في النسق الإسلامي لما له من علاقة وثيقة بالنص المنزل ؛من خلال احتكاكاته المتكررة به،ومن خلال محاولاته الجادة لربط واقعه وتساؤلاته بما يمكن أن يحتضنه النص من إجابات ممكنة ، فيكون المفسر بذلك وسيطا مهما بين النص وتطلعات الناس،لما يتوفر عليه من أليات معرفية؛من قوة استنباطية ،و معرفة بأحوال الناس و لتفرغه للإشتغال على النص عكس غيره...وكثيرا ما ينتهي باستخراج أحكام و إجابات تشفي غليل السائلين و تريح بال الحائرين.
الجدارات المحاصرة للمعنى داخل النص:
أما جدارات الوعي فلا يقصد بها طبعا كومة الحجارة ولا الحواجز الإسمنتية التي يمنتع معها التنقل،بقدر ما هي رمز معنوي للحصار والمنع من التجاوز و الإطلاع على ما هو سابق أو مستقبلي ، والوعي كغيره من المسائل التي ترتبط بالزمان و المكان و الأحوال ، بالثابت و المتحول ..وهو أيضا يتعرض لكل المتغيرات الطارئة و لغيرها لأنه أساسا مرتبط بشكل وثيق بمحيطه ، و لأنه بكل بساطة شيء ملازم للإنسان المتأثر بالأشكال الحضارية و النتاجات الثقافية ، و عوامل الزمان والمكان و الظروف المتغيرة باستمرار ... ويبقى (الوعي ) بشكل عام صورة طبق الأصل لما عليه الحال في فترة من فترات الزمان الممتد ، ولا يمكن أن يتجاوزه، بهذا تكون المخلفات الحضارية والفكرية للإنسان بمثابة مقياس أو معيار يمكن من إحاطة علمية لتحولات الوعي وتتبع مختلف تعبيراته و حصر نموه ...
منح الإنسان عقلا متدبرا ، يمكنه من أن يكون خليفة لله في الأرض يعمرها و يعمل الصالحات من الأعمال و يقيم الوزن بالعدل بين العباد ...وأعطي القدرة على التفكر و التدبر بحيث جعل الله بين يديه هذه الوسيلة قبل كل شيء لفهم الرسالات المنزلة، ثم لإعمالها متفكرا في أنواع المخلوقات بدءا بنفسه ؛ ولتمكنه في الأخير من ربط الوحي بالوجود ،عن طريق عملية التفاعل الايجابي المنفتح و المنتج،بلإضافة لتجليات حركية العقل في الواقع و على ضوء الوحي (فهذه العملية هي من أهم أسباب وجود المعرفة و الشريعة كقانون..)،بفضل تلك العملية لا تزال الحياة ترتقي شاهدة تطورات معرفية ، واجتماعية،وقيمية ...ملبية غالبا حاجيات المجتمعات والأفراد المعنوية والمادية والروحية، وللتبسيط أكثر فإن أساس الاستجابة للمطالب الإنسانية على النص يكمن في؛قدرة هذا المخلوق - المكرم - على التفاعل بقوة و إيجابية معه،ثم ربطه للإشكالات المستجدة بأسئلته الدقيقة،التي ستساعده على فهم مقرب لمراد النص، فالعقل المنتصب لحل العقد والنوازل المستجدة،والمنفتح على واقعه،والمتواصل مع نصوص الوحي،كان دائما قادرا على تفجير أشعة النور وسط ظلام الإنسانية الحالك،فتتفتح أقفال الانغلاق لعقل مجدد،مدرك لأفاق واسعة،مكتشف لحقائق مغيرة لمسار التاريخ،فيتمكن هذا العقل العبقري و بكل جدارة من ربط الوحي المتعالي المطلق بوجوده الإنساني النسبي.
دور المحيط والمعارف في صياغة الفهم وإمكانيات التجاوز:
إن ثقافة الفرد في أي مجتمع لا تعدو أن تكون نوعا من الوعي بالذات و بالمحيط ،بل يمكن القول ولو جدلا أن الفرد الواعي ماهو إلا مجرد نتاج ثقافي – نفسي وقيمي... لمجتمعه ولبيئته،بحيث إن أي فرد مهما بلغ سمو فكره و مهما تجرد من إنتماءاته البيئية والمذهبية و المعرفـية...يبقى غالب وعيه مرتبطا بشكل أو آخر؛بما كان عليه فـي حالة الأصل،و يبقى ضغط الانتماء التاريخي و الفكري (وما سبق ذكره) من أهم ملازماته النفسية،ومن أعقد ما يتشكل منه وعيه،- وهذا في جانب الارتباط الطبيعي البسيط فقط -وقد تكون هناك حالات يهيمن فيها التاريخي و العرقي و الثقافي والحس بالإنتماء الجماعي أو الجغرافي...( أو أحد هذه الإشكال)،على الوعي الفردي و قد يتعداه إلى جماعة – وهذا اقل شيء – أو مجتمع وهذا أكبر واعقد لأن أبعاده ومآلاته تكون أخطر.
و تعتبر إجابات الوحي عن الإشكالات المطروحة على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين؛ عند وقوع نازلة،أو لأن الظرفية تستلزم وقوع نسخ أو نقلة بالأحكام إلى درجة / حالة / مرحلة متقدمة عن حالتها الأولى، دليلا حقيقيا على الديناميكية المستمرة للوحي ولواقع المسلمين،وهو تعبير أيضا عن مصاحبته لمختلف حركات الفعل الإنساني مهما تحول الزمان أو تغير المكان أو إختلفت الوقائع، من أجل ذلك تتضح نتيجة طبيعية مفادها أن الإنسان بقدر ما يتحرك في واقعه المحصور بالمكان و الزمان دائما،وبعوامل مؤثرة أخرى في فعله،بقدر ما يثبت الوحي تجرده وبعده عن هيمنة التاريخ،فيبرهن على عدم إنحصاره في 'الطيات الزمكانية' التي تعني الانحصار ثم النهاية،وهذا ما أطلق عليه الأولون الصلاح لكل زمان ومكان،فلو لم يتمتع الوحي المنزل بتلك الصفة الذاتية لأجمع الكل على عدم صلاحيته كمصدر للمعرفة والتشريع، وقد وقع في خطأ عدم صلاحيته –فعلا - المجزؤون الذين ينظرون للأحداث و الموضوعات بشكل متحيز و مجزأ، فلا - ولم - تصمد طروحاتهم لعوامل نظر العقل الموضوعي ولا لتفحص ناقد بسيط.
الصلاح لكل زمان ومكان هو :-أيضا- الـمسايرة الايجابية للتطورات التي تشهدها الحياة بحضور إجابات محددة حسب مراحــل عدة،وظروف زمانية متباعدة،وعن أسئلة مختلفة،وهذه المصاحبة أو الملازمة هي ما يصنع الحضارة القائدة والرائدة ويخرج الناس من الجمود وقوقعة التاريخ إلى المشاركة في أمجاد صناعة التاريخ،ثم في معرفة تمايزات حضارية،هذه الأخيرة بدورها لا تكون في تطوراتها ووجودها مطلقة ومستقرة؛أولا لأنها إنسانية نسبية،وثانيا لأن في أصل كل حضارة متغيرات تسير بها إما صعودا أو نزولا، أوقد تضطرب معها و تستقر، تتوسع وتنكمش، تعطي أكثر أو تأخذ أكثر..(و التاريخ البشري يشهد على ذلك )،ويمكن حصر فهم هذه المسألة في ' الهرمية الحضارية' بحسب المفهوم الخلدوني.
على أنه ومن خلال المعطيات السابقة يمكن إعتبار:
- الإنسان جزءا لا يتجزأ من ذلك المسار المتجدد ؛بحيث يساهم فيه بصفته فاعلا في التشكيل والتكوين،مما يعني قابلية العقل الإنساني إطلاقا - بمساعدة ظروفه الذاتية والموضوعية بعيدا عن تحيزاته العرقية أو الجغرافية، سياسية كانت أو إقتصادية...- على صناعة ثورات معرفية وشهود حضاري يتغير معه وبه التاريخ ومساراته، فالإنسان عضو فعال في مسار الحضارة،و مساهم قوي في التخطيط و البناء وفي النهاية في الإنجاز سلبا أو إيجابا.
- إن قضية إنبثاق نور جديد في مسار الإنسانية لا يكون إلا بفعل العقل؛الذي هو في النطاق المعرفي الإسلامي محور التكليف الشرعي و بؤرة من' بؤر المعرفة الكونية والإلهية'،فهو مدعو منذ التنزلات الأول للنص القرآني للنظر في آيات الله و الاعتبار بها و الأخذ بالسنن الكونية بعد استخراجها و فهمها { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير }،لذلك فإن العلاقة الثلاثية و المتاكملة بين النص الموحى و العقل الإنساني و المحيط المتجدد؛ يجعل التحول جذريا ومتنورا بنورين: أولا بامتدادات الوحي و تنزلاته،وثانيا بتجديدات العقل الواعي،لكن هذا لا يعني عدم حضور النسبي إلى جانب المطلق في الفعل الإنساني،إذ أن من المعلوم بالضرورة كون العقل غير كامل ولا يستطيع على أي حال الإحاطة الكلية بما يدور حوله من سنن و قوانين كونية،رغم سعيه الحثيث للوصول إلى ' مطلق إنساني مدرك للحقائق العليا '،و هذا قسم آخر في المعرفة والإدراك، فهذا المخلوق الذي يعمل على أن يبقي له على مستويات معينة من التحضر والتمدن أو أن يصل بالعقل مداه، لم يتجاوز بعد أسقفا محددة قد يصل تفكيره فيها إلى درجة تدفعه إلى الإنحصار في دائرة الحيرة و في كثير من الأحيان تجعله يدور في دائرة التيه، وأبسط مثال – كما تقدم سابقا - على ذلك إنحصار وعيه داخل جدار الثقافة و التاريخ و الحاجات الآنية ( والنفسية )...فالإطلالة على المستقبل فــ' صناعة المآل في الآن ' لم يصل إليه بعد العقل الإنساني؛ أي إستحضار الإنسان لكامل قدراته الذهنية للتمكن من الصفاء المعنوي و العقلي،كي يقتحم أغوار المستقبل المتقدم من أجل توسعة أفاق الفهم و الفعل لديه في الحاضر - هذا برغم ما طوره من قوة إستشرافية ومن فنون للدراسات الاستراتيجية-،ثم الوصول إلى معارف قد تتجاوزه وزمانه في التنظير والتطبيق،مما قد يعني أيضا أن؛الوعي بإمكانياته وبدافع عوامل معينة،قد يتمكن أحيانا من تجاوز الجدارات المضروبة عليه ويحصد معارف و مناهج متجاوزة لظروفه الذاتية والموضوعية،وقد لا يتمكن من ذلك بسبب جدارات سلبية - أخرى - مانعة قد تكون إجتماعية،أو ثقافية/ جغرافية أو نفسية / عرقية أو حتى لغوية/ معرفية ... وعليه ومما سبق يمكن إستفادة خلاصة بسيطة تقول؛ أن الاختلافات بين المجتمعات والحضارات و الانتاجات المعرفية، وفي إمكانيات الفعل الإنساني في مختلف الأزمان والحقب؛ شيء مسلم به وهو من السنن الإلهية في الكون،لان الإنسان الذي يعطي قيمة لهذه المفاهيم ويفعلها كائن مكرم بالفهم والاستيعاب،كما أن وجوده يرتبط بمدى قوة وتجدد وعيه في ظل كل العوامل المحيطة به،ثم - وهو الأهم - بمدى تحرر وعي هذا المخلوق من ملازمة مختلف جداراته النسبية،وفي السياق المعرفي الإسلامي فإن إحاطة الفهم بمراد النص، ثم إلزام العقل الإنساني بذلك الفهم مدى إستمراره في الزمان والمكان؛يعد شيئا غير مقبول وهو نوع من الاستبداد المتوحش،وقد يكون نفيا صارخا للعقل المسلم و الإنساني المدعوان للتدبر والتفكر،وهو أيضا تدمير محسوم و نهائي لمعاني و لنصوص الوحي الخالدة،ومن جانب آخر،هو إبعاد لإمكانية تنزلاته المتكررة على وقائع و أحداث معينة و مختلفة،إضافة إلى قدرات النص من قبوله للـثابت و المتغير وللذاتي و العرضي سواء كان النص قرآنيا أو حديثيا؛هذا على حسب إستطاعات الفهوم في الاستنباط وبحسب الحاجات الإنسانية المتباينة،ويكاد قول العلامة محمد حسين فضل الله يلخص الأفكار السابقة بقوله أن: "القرآن هو كتاب الله الذي ينفتح على الإنسان كله و على الزمان كله،سواء في المفاهيم و التشريعات أو في المناهج العامة المتصلة بحركة الإنسان في الحياة،فلا نستطيع النظر إلى القرآن ككتاب يؤرخ لمرحلته لتكون مفاهيمه في حجم تلك المرحلة. غير أننا نستطيع أن ندرس في القرآن الذهنية المعاصرة للنزول و نتلمس المنهج الذي كان يسيطر على ذهنية الناس و سلوكياتهم. "
إن المسلم -و الإنسانية على وجه العموم- في أمس الحاجة للقرآن ليحقق الراحة و الارتقاء الروحي،وكذلك ليصل لدرجة السمو الحضاري الذي هو مختزن في التعاليم القرآنية التي يجب إستخلاصها و تفعيلها،ومن أجل أن يتحقق المطلوب؛ لابد لكل قارئ للقرآن من الغوص في معانيه السامية و التفاعل معها،والابتعاد عن كل ما يجعل العلاقة بين الإنسان و التعاليم الربانية ممنوعة الفهم و التطبيق.
الاربعاء, 02 ابريل, 2008
أضف تعليقا
اضيف في 01 يوليو, 2008 02:17 م , من قبل benaceur
من المغرب
من المغرب

سلاماتي
اشكرك انستي على تعليقك اللطيف
واتمنى ان يظل التميز ظلا لقلمنا ودمتي كما تدوم الصباحات الجميلة.
يوسف
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










من إيطاليا
كلماتك النادرة والمميزة وضعت اصبعا على جرح ونقطة على حرف
هذا الواقع الذي نعيشة اليوم ومقالتك هذه المليئة بالحكم والدروس سردتها لنا بطريقة مميزة فالابحار اليوم بما يعانية الانسان في مجتمعه المليء بالتخابطات الدينية والسياسية تنعكس عليه ويجب ان نحسب حسابا للانواء فيتمزق شراعا او ينكسر مجداف لكن التصميم والارادة توصل الى الهدف
دمت لنا بمقالاتك المميزة والهادفة
ارجو ان لا تبخل علينا بكتاباتك
نوزاااااااااا